الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

361

تفسير روح البيان

التي هي أصول الكائنات ومبادى المنافع خير أم ما يشركون . يعنى ان الخالق للاجرام العلوية والسفلية خير لعابديه أو للمعبودية كما هو الظاهر وَأَنْزَلَ لَكُمْ اى لأجل منفعتكم مِنَ السَّماءِ ماءً نوعا منه هو المطر ثم عدل عن الغيبة إلى التكلم لتأكيد الاختصاص بذاته فقال فَأَنْبَتْنا بِهِ اى بسبب ذلك الماء حَدائِقَ بساتين محدقة ومحاطة بالحوائط : وبالفارسية [ بوستانها ديوار بست ] من الأحداق وهو الإحاطة وقال في المفردات الحدائق جمع حديقة وهي قطعة من الأرض ذات ماء سميت بها تشبيها بحدقة العين في الهيئة وحصول الماء فيها وحدقوا به واحدقوا أحاطوا به تشبيها بإدارة الحدقة انتهى ذاتَ بَهْجَةٍ البهجة حسن اللون وظهور السرور فيه اى صاحبة حسن ورونق يبتهج به النظار وكل موضع ذي أشجار مثمرة محاط عليه فهو حديقة وكل ما يسر منظره فهو بهجة ما كانَ لَكُمْ اى ما صح لكم وما أمكن أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها شجر الحدائق فضلا عن ثمرها أَ إِلهٌ آخر كائن مَعَ اللَّهِ الذي ذكر بعض أفعاله التي لا يكاد يقدر عليها غيره حتى يتوهم جعله شريكا له في العبادة : وبالفارسية [ آيا هست خداى يعنى نيست معبودى با خداى بحق ] بَلْ هُمْ بلكه مشركان قَوْمٌ يَعْدِلُونَ قوم عادتهم العدول والميل عن الحق الذي هو التوحيد والعكوف على الباطل الذي هو الإشراك أو يعدلون يجعلون له عديلا ويثبتون له نظيرا قال في المفردات قوله بل هم قوم يعدلون يصح ان يكون من قولهم عدل عن الحق إذا جار عدولا انتهى فهم جاروا وظلموا بوضع الكفر موضع الايمان والشرك محل التوحيد وهو إضراب وانتقال من تبكيتهم بطريق الخطاب إلى بيان سوء حالهم وحكاية لغيرهم ثم اضرب وانتقل إلى التبكيت بوجه آخر ادخل في الإلزام فقال أم منقطعة أَمَّنْ موصولة كما سبق جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً يقال قر في مكانه يقر قرارا إذا ثبت ثبوتا جامدا وأصله القر وهو البرد لأجل ان البرد يقتضى السكون والحر يقتضى الحركة والمراد بالقرار هنا المستقر . والمعنى بل أم من جعلها بحيث يستقر عليها الإنسان والدواب بإظهار بعضها من الماء بالارتفاع وتسويتها حسبما يدور عليه منافعهم خير من الذي يشركون به من الأصنام وذكر بعض الآيات بلفظ الماضي لان بعض أفعاله تقدم وحصل مفروغا منه وبعضها يفعلها حالا بعد حال وَجَعَلَ خِلالَها جمع خلل وهي الفرجة بين الشيئين نحو خلل الدار وخلل السحاب ونحوهما أوساطها : وبالفارسية [ وپيدا كرد در ميانهاى زمين ] أَنْهاراً جارية ينتفعون بها هو المفعول الأول للجعل قدم عليه الثاني لكونه ظرفا وعلى هذا المفاعيل للفعلين الآتيين وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ يقال رسا الشيء يرسو ثبت قال في كشف الاسرار الرواسي جمع الجمع يقال جبل راس وجبال راسية ثم تجمع الراسية على الرواسي اى جبالا ثوابت تمنعها ان تميل باهلها وتضطرب ويتكون فيها المعادن وينبع في حضيضها الينابيع ويتعلق بها من المصالح ما لا يخفى قال بعضهم جعل نفوس العابدين قرار طاعتهم وقلوب العارفين قرار معرفتهم وأرواح الواجدين قرار محبتهم واسرار الموحدين قرار مشاهدتهم وفي أسرارهم انهار الوصلة وعيون القربة بها يسكن ظمأ اشتياقهم وهيجان